فلسفة العقل

فلسفة العقل أو فلسفة الذهن هي إحدى فروع الفلسفة التي تهتمّ بدراسة طبيعة العقل والأحداث والوظائف والخصائص الذهنية بالإضافة إلى الوعي وعلاقتهم بأعضاء الجسد وخاصة الدماغ.

فلسفة العقل
90

فلسفة العقل أو فلسفة الذهن هي إحدى فروع الفلسفة التي تهتمّ بدراسة طبيعة العقل والأحداث والوظائف والخصائص الذهنية بالإضافة إلى الوعي وعلاقتهم بأعضاء الجسد وخاصة الدماغ. تعدّ مسألة العقل – الجسد إحدى القضايا الأساسية المتناولة في فلسفة العقل، على الرغم من وجود أمور أخرى تهتم بطبيعة العقل المجرّدة من أيّة علاقة بالجسم، مثل الإجابة عن كيفية الإدراك وطبيعة الحالات العقلية الخاصّة.

تمثّل الأحاديّة والمثنوية (أو الثنائية) المدرستان الفكريتان الأساسيتان اللتان حاولتا حلّ مسألة (معضلة) العقل – الجسد. تعود الأصول الفكرية لمدرسة المثنوية إلى أفلاطون، ومدارس السامخيا واليوغا في الفلسفة الهندوسية؛ كما تبنى الفلاسفة المسلمون نظريات الإغريق حول أصناف العقل. إلّا أنّ الشكل النهائي للمسألة صيغ بشكل دقيق من قبل رينيه ديكارت في القرن السابع عشر.

ناقشت المثنوية الجوهرية (ثنائية المواد) أنّ العقل هو جوهر متواجد بشكل مستقل، بينما حافظت مثنوية الخصائص على أنّ العقل هو مجموعة من الخصائص المستقلّة المنبثقة عن الدماغ والتي لا يمكن حصرها به، مؤكّدة بأنّ العقل ليس جوهر منفصل. بالمقابل، فإنّ الأحادية تتبنّى الرأي الذي يقول بأنّ العقل والجسد ليسا كيانين وجوديّين منفصلين، إنّما هما جوهر واحد. لقى هذا الرأي تأييداً لأوّل مرّة في الفلسفة الغربية من قبل بارمنيدس في القرن الخامس قبل الميلاد، ثم تبنّى العقلاني باروخ سبينوزا هذا الرأي في القرن السابع عشر.

يستدلّ أتباع المدرسة الفيزيائية بأنّ الكيانات المفترضة في النظرية الفيزيائية هي الموجودة فقط، وأنّ العمليات العقلية ستفسَّر بالنهاية في ضوء هذه الكيانات وذلك مع استمرار تطوّر النظرية الفيزيائية، وذلك بشكل يختزل الخصائص العقلية إلى خصائص فيزيائية، (وذلك بشكل متوافق مع مثنوية الخصائص)، وأنّ الحالة الوجودية للخصائص العقلية لا تزال غير واضحة.
يذهب الأحاديون المحايدون مثل إرنست ماخ ووليام جيمس إلى أنّ الأحداث في العالم يمكن تفسيرها إمّا عقلياً (نفسياً) أو فيزيائياً اعتماداً على شبكة الأحداث التي يتمّ بها استقبالها، أمّا الأحاديون ثنائيو الجانب من أمثال سبينوزا فيؤمنون بالرأي القائل بأنّ هناك مادّة محايدة، وأنّ العقل والجسد هما إحدى خواص هذه المادة المحايدة. إنّ أشهر الأحاديات في القرن العشرين والحادي والعشرين هي كلّها أشكال للمدرسة الفيزيائية وتتضمّن السلوكيات والفيزيائية النموذجية والأحادية الشاذّة والوظائفية.

يتبنّى معظم فلاسفة العقل الحداثيون الرأي الفيزيائي سواءً بشكل اختزالي أو لااختزالي، محافظين بطرقهم المختلفة بأنّ العقل ليس شيئاً منفصلاً عن الجسد. هذه المناهج أثّرت بشكل خاص على العلوم، وخصوصاً في علم الأحياء الاجتماعي، وعلم الحاسوب، وعلم النفس التطوري، بالإضافة إلى مختلف مجالات العلوم العصبية.

تؤكّد الفيزيائية الاختزالية أنّ الحالات والخصائص العقلية يمكن تفسيرها دائماً عن تقديرات علمية للحالات والعمليات الفيزيولوجية. أمّا الفيزيائية اللااختزالية فهي تناقش أنّه على الرغم من أنّ العقل ليس جوهراً منفصلاً، إلّا أنّ الخصائص العقلية تابعة للخصائص الفيزيائية، أو أنّ الإسنادات والألفاظ المستخدمة في التفسيرات والأوصاف العقلية تكون متلازمة، ولا يمكن اختزالها في اللغة والتفسيرات الدنيا لتفسير العلوم الفيزئيائية.

ساعد تطوّر العلوم العصبية المستمر على توضيح بعض هذه المشاكل، إلّا أنّه على الرغم من ذلك تظلّ تلك المشكلات بعيدة عن الحلول. بالتالي لا تزال قضية فلسفة العقل إحدى القضايا التي يستمرّ فلاسفة العقل الحداثيون في إلقاء الأسئلة من أجل تفسير كلّ من الإمكانيات الذاتية والخصائص والحالات العقلية القصدية وذلك بمصطلحات المذهب الطبيعي.

مسألة العقل – الجسد

تهتمّ مسألة العقل – الجسد بمحاولة إيجاد تفسيرات للعلاقة الموجودة بين العقل أو العمليات الذهنية وحالات أو عمليات الجسد. وكان الهدف الرئيسي للفلاسفة في هذا المجال هو تحديد طبيعة العقل والحالات أو العمليات الذهنية، والبحث عن كيفية أو إمكانية التأثير المتبادل بين العقل والجسد.

تعتمد تجارب الإنسان الحسّية على وجود عامل منبّه والتي تصل إلى مختلف الأجهزة الحسّية بواسطة العالم الخارجي، وهذا التنبيه يتسبّب في إحداث بعض التغييرات في الحالة الذهنية، وفي النهاية يؤدّي إلى الشعور بإحساس، والذي يمكن أن يكون مبهجاً أو مزعجاً. والسؤال يكمن هنا كيف يمكن للتجارب الواعية أن تنشأ من مادة رمادية لا تتحلّى بشيء سوى بخواص كهروكيميائية.

و هنا تبرز مشكلة، وهي كيف يتسبب اتجاه افتراضي شخصي (مثل المعتقدات والرغبات) في إطلاق السيالة العصبية في العصبونات وبالتالي تحريك العضلات. مثل هذه المعضلات هي التي واجهت الفلاسفة والعاملين في نظرية المعرفة على الأقلّ منذ أيام رينيه ديكارت.

المثنوية كحل لمسألة العقل – الجسد

رينيه ديكارت
رينيه ديكارت

المثنوية هي مجموعة من الآراء ووجهات النظر عن العلاقة بين العقل والجسد (المصوّر من المادة). إنّ أوّل أمر بدأت فيه المثنوية هو الإدّعاء أنّ العمليات العقلية تعتبر في بعض النواحي غير فيزيائية (مادية)، وتلك الملاحظة صيغت بشكل مبكر في المدارس الفلسفية الشرقية، وخصوصاً في الهند القديمة، وذلك في مدارس الفلسفة الهندوسية: السامخيا واليوغا (حوالي 650 قبل الميلاد)، واللتان قسّمتا العالم إلى بوروشا (العقل أو الروح) وبراكريتي (المادّة). وبشكل خاص، قدّمت يوغا سوترا نهجاً تحليلياً لطبيعة العقل ضمن نصوص باتانجالي.

كان أفلاطون أوّل من ناقش المثنوية في الفلسفة الغربية من خلال كتاباته، حيث ذكر أن الذكاء الإنساني (أو العقل) لا يمكن أن يُحدَّد أو يُشرَح ضمن مصلحات الجسم الفيزيائي.. وبالرغم من ذلك، فإنّ أشهر طرح للمثنوية كان عن طريق رينيه ديكارت سنة 1641، إذ كان يرى أنّ العقل غير محدود في إطاره الفيزيائي، فهو جسم غير مادي. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ديكارت كان أوّل من حدّد بوضوح علاقة العقل مع الوعي والإدراك الذاتي، وميّزه عن الدماغ مقرّ الذكاء. بالتالي، يعدّ ديكارت أوّل من حدّد وصاغ مسألة (معضلة) العقل – الجسد التي ما زالت موجودة حتى الآن. ويطلق عليها أيضاً اسم الثنائية الديكارتية.

الأحادية كحل لمسألة العقل – الجسد

على العكس من المثنوية، فإنّ الأحادية رفضت أيّة تقسيمات جوهرية كحلّ لمسألة العقل – الجسد. كان هذا الرفض بالتقسيم بين العقل والجسد الأساس الذي قامت عليه الفلسفات الشرقية منذ أكثر من ألفيتين. تؤمن الفلسفتان الهندية والصينية بالأحادية، وذلك ككلّ متكامل من أجل إدراك العقل وفهمه للخبرات والتجارب. في الوقت الحالي، فإنّ أكثر المناهج شيوعاً للأحادية في الفلسفة الغربية هو منهج فلسفة الفيزيائية. تؤكّد الأحادية الفيزيائية بأنّ كينونة الأشياء ومبعثها مادّي، وأنّ المادّة الوحيدة الموجودة هي فيزيائية، وهو ما وضّحه العلم الحديث بشكل من الأشكال.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هناك الكثير من الصياغات لهذه الفلسفة، والتي انبثقت من النظرية الأحادية مثل النظرية المثالية، والتي تؤمن أنّ المادّة الموجودة هي عقلية فقط. على الرغم من أنّ المثالية الصافية، مثل التي اعتنقها جورج بيركلي، غير شائعة في في الفلسفة الغربية الحديثة، إلّا أنّ هناك صياغة أكثر تعقيداً تدعى الروحية الشاملة، والتي تكون الخصائص والتجارب الذهنية وفقاً لها الأساس للخصائص والتجارب المادّية. تبنّى هذا الطرح الأخير من الروحية الشاملة عدّة فلاسفة من أمثال ألفريد نورث وايتهيد، وديفيد راي غريفن.

النظرية الظاهراتية هي شكل آخر من أشكال النظرية الأحادية، وهي القائمة على أنّ تصوّر الأشياء والإدراك الخارجي (بيانات الإحساس) للأجسام الخارجية هي الموجودة فقط. هذه النظرية تبناها الفيلسوف بيرتراند راسل وبعض علماء المنطق الوضعيين في بدايات القرن العشرين. الخيار الثالث كحل لمشاكل الأحادية ما بين العقل والجسم هو القبول بوجود مادّة أساسية ليست لها علاقة لا بالعقل أو المادّة، على أن يكون كلاً من العقل والمادة بالتالي خصائص لهذه المادّة الحيادية. تبنّى مثل هذا الرأي الفيلسوف باروخ سبينوزا، واشتهرت على يد إرنست ماخ في القرن التاسع عشر الميلادي. تدعى هذه النظرية باسم الأحادية المحايدة، وهي تشبه مثنوية الخصائص.

الغموضية الجديدة (عدم القابلية للحل)

اتّبع بعض الفلاسفة النهج المعرفي في مسألة العقل – الجسد، وزعموا أنّ تلك المشكلة غير قابلة للحل في الوقت الحالي، وربّما سوف يستعصي دوماً على البشر حلّها. يسمّى هذا المنهج بالعادة باسم الغموضية الجديدة. يذهب كولين ماكغين إلى أنّ معرفة البشر محدودة فيما يخصّ عقولهم الخاصّة، ويدعى ذلك في الأوساط الفلسفية باسم إغلاق معرفي Cognitive closure. ووفقاً لماكغين، تفتقر عقول البشر إلى طرق تشكيل المفاهيم لتمام إدراك كيف أنّ الخصائص العقلية مثل الوعي تنشأ من أساسها السببي.

وقد تمّ شرح المفهوم بطريقة أكثر اعتدالا من قبل توماس ناغل، والذي يرى أنّ مشكلة العقل والجسد غير قابلة للحل في المرحلة الحالية من التطوّر العلمي، وأنّه قد يتطلّب الأمر حدوث نقلة نوعية علمية في المستقبل (تحول النموذج الفكري) أو ثورة لسدّ هذه الفجوة. يفترض ناغل أنّه في المستقبل سيكون هناك نوع من الظواهر الموضوعية قادر على سدّ ما يسمّى ثغرة الشرح. يفترض ناغل مستقبلاً وجود نوع من “علم الظواهر الموضوعي” القادر على سدّ الثغرة بين تجارب الوعي الذاتي وبين الأساس المادّي.

النقد اللغوي لمسألة العقل والجسد

إنّ كلّ محاولة للإجابة عن مسألة العقل والجسد تواجَه بمشاكل جوهرية. أبدى بعض الفلاسفة رأيهم في هذا الخصوص بقولهم بوجود التباس بالمفهوم غير ظاهر للعيان. قام هؤلاء الفلاسفة، مثل لودفيغ فيتغنشتاين وأتباعه من منهج النقد اللغوي التقليدي، برفض المسألة ككلّ واعتبارها وهمية. كان اعتراضهم أنّه من الخطأ طرح سؤال كيف يمكن للحالات العقلية والحيوية (البيولوجية) أن تتلاءم سويّة، إذ ينبغي بالأصحّ أن يكون مقبولاً ببساطة أنّ التجربة الإنسانية يمكن وصفها بأساليب مختلفة، على سبيل المثال، باستخدام مفردات عقلية وحيوية (بيولوجية).

تنشأ المشاكل الوهمية عندما يحاول شخص وصف مشكلة ما من كل ناحية باستخدام مفردات الأخرين أو قام باستخدام المفردات الذهنية في السياقات الخاطئة. هذه الحالة، على سبيل المثال، هي ما يجده الشخص لو بحث عن حالات القدرات الذهنية للدماغ. الدماغ ببساطة هو السياق الخاطئ في استخدام المفردات العقلية، والبحث عن الحالات الذهنية للدماغ هو خطأ في التصنيف أو نوع من المغالطة المنطقية.

- إعلان -

غالباً ما تعتمد وجهة النظر هذه في وقتنا الحالي من قبل المفسّرين لكتابات فيتغنشتاين مثل بيتر هاكر. مع العلم أن هيلاري بوتنام المدافع عن مبدأ الوظائفية، كان قد تبنّى وجهة النظر القائلة أنّ مسألة العقل والجسد هي مسألة وهمية، وينبغي حلّها وفقاً لأسلوب فيتغنشتاين.

الداخليانية والخارجيانية

هيلاري بوتنام
هيلاري بوتنام

أين يقع العقل ؟ إن كان العقل أحد أنواع الظواهر الفيزيائية فعليه أن يشغل حيّزًا ما. ويكون الحلّ للبعض بوجود احتمالين اثنين ممكنين: إمّا أن يكون العقل داخل الجسم (داخليانية) أو خارجه (خارجيانية). و بصورة عامّة، إمّا أن يعتمد العقل على الأحداث والخصائص التي تحدث داخل ذلك الجسم فقط، أو أن يعتمد أيضاً على عوامل تحصل خارجه.

التزم أنصار الداخليانية بالرأي الذي مفاده أنّ النشاط العصبي كافٍ لإنتاج العقل؛ في حين أنّ أنصار الخارجيانية حافظوا على رأيهم بأنّ العالم المحيط له بعض الدور التأسيسي للعقل.

هناك عدّة أنماط للمدرسة الخارجيانية: منها الخارجيانية الدلالية وهي النوع الرئيسي، والخارجيانية المعرفية، بالإضافة إلى الخارجيانية الظاهراتية.

تتبنّى الخارجيانية الدلالية فكرة أنّ المحتوى الدلالي لعقل شخص ما يعرّف كلّياً أو جزئياً بواسطة الأمور الخارجية لجسم ذلك الشخص. أوضح هيلاري بوتنام ذلك بمثال جيّد من خلال تجربة فكرية أسماها “الأرض التوأم”.

أمّا الخارجيانية المعرفية فهي مجموعة واسعة من وجهات النظر التي تشير إلى دور البيئة والأدوات والنموّ والجسم في تجسيد المعرفة. تعدّ آراء مذاهب “المعرفة المجسّدة” و “العقل الموسوعة” و “التفاعلية العقلية” أمثلة جيّدة على الخارجيانية المعرفية. في حين أنّ الخارجيانية الظاهراتية تعتقد أنّ الجانب المرتبط بالظاهرة فيما يخصّ العقل يكون خارجياً بالنسبة للجسم.

الطبيعانيّة ومشاكلها

ترى الفرضيّة الفيزيائيّة أنّ العقل جزء من العالم المادّي أو “العضوي”. إنّ مثل هذا الموقف يطرح إشكالية أنّه يجب أن يكون للعقل خصائص معيّنة لا يملكها أيّ شيء آخر مادّي. يجب على الفيزيائية لذلك أن تشرح كيف يمكن لهذه الخصائص أن تنبثق من شيء مادّي. إنّ مشروع دعم هذا التبرير يشار إليه عادةً “طبيعانيّة العقل”. وبعض المشاكل المعقّدة التي يحاول هذا المشروع حلّها تتضمّن وجود الكيفيات المحسوسة (الكواليا) وطبيعة القصد.

فلسفة العقل والعلم

إنّ البشر مخلوقات جسدية “مادّية” وعلى هذا فإنّها معرّضة للاختبار والوصف من قبل العلوم الطبيعية. ولأنّ العمليات العقلية ذات علاقة وطيدة وقريبة للعمليات الجسدية، فإنّ الأوصاف التي تزوّدها العلوم الطبيعية للبشر تلعب دوراً هامّاً في فلسفة العقل. هناك الكثير من التخصّصات العلمية التي تدرس العمليات المتعلّقة بالحالة العقلية. وتضمّ القائمة مجموعة من العلوم منها: الأحياء وعلوم الكمبيوتر والعلوم الإدراكية وعلم التحكم الآلي واللغويات والطب والصيدلة وعلم النفس.

فلسفة العقل في الفلسفة القارية

ركّز معظم النقاش في هذا المقال على أسلوب أو تقليد واحد فقط للفلسفة في الثقافة الغربية الحديثة والتي تدعى عادة بالفلسفة التحليلية أو (الأنجلو – أمريكية). هناك العديد من المدارس الفكرية الأخرى الموجودة، ولكنّها كانت تندرج تحت وسم فلسفي واسع ومبهم أحياناً وهو الفلسفة القارّية، على كلّ الأحوال، وبالرغم من كثرة المواضيع والطرق هنا، فبالنظر إلى العلاقة مع فلسفة العقل يمكن القول أنّ المدارس المتعددة التي تقع تحت هذا التصنيف (الظواهر الوجودية، الخ ) تختلف عالمياً عن المدرسة التحليلية، حيث أنّهم يركّزون بشكل أقلّ على اللغة والتحليل المنطقي وحده، ولكنّها تأخذ بأشكال أخرى من فهم وجود الإنسان وخبرته. عند الإشارة تحديداً إلى مناقشة العقل، فهذا يميل إلى أن يُفسر بمحاولات لفهم الفكر والتجربة المحسوسة بمعنى أن لا تنطوي على مجرّد تحليل الأشكال اللغوية.

نشر إيمانويل كانط سنة 1781 كتابه نقد العقل الخالص، ثم قام لاحقاً بمراجعات رئيسية للكتاب سنة 1787. ترك هذا الكتاب أثراً مهمّاً فيما سمّي لاحقاً باسم فلسفة العقل، حيث عدّ نقد كانط أوّل عمل مهم في الفلسفة الحديثة في الغرب على الإجمال، سواء في الفلسفة القارية أو الفلسفة التحليلية (الأنجلو-أمريكية). طوّرت أعمال كانط آليّات الدراسة المتعمّقة للوعي في المثالية المتعالية ولحياة العقل كما هو مفهوم بالمقولات العامّة عند الوعي.

في كتابه “ظواهر العقل”، ناقش هيغل ثلاثة أنواع مختلفة للعقل “العقل الذاتي”ً ويرمز لتفكير الفرد، “العقل الموضوعي”، يرمز للتفكير المجتمعي، و “العقل المطلق” وهو اتحاد لكلّ المفاهيم والمبادئ.

في كتابه “المادّة والذاكرة” قدّم هنري برغسون سنة 1896 “مقالاً عن العلاقة بين الجسد والروح”، حيث كتب عن أمر مهمّ في العلم الوجودي وعن الفرق بين الجسد والعقل عن طريق اختزال المشكلة لتصبح أقرب إلى الذاكرة، وهذا ما سمح بايجاد حلّ بُني على امتحان تجريبي على حالة تعاني من الحبسة (عدم المقدرة على الكلام).

في العصر الحديث، هناك مدرستين رئيسيتين كان لهما دور في الردّ أو معارضة التقليد الهيغلي وهما: مدرسة الظواهر ومدرسة الوجودية. مدرسة الظواهر التي أسّسها إدموند هوسرل، والتي تركّز على محتويات العقل البشري وكيف أنّ العمليات الظواهرية تشكّل خبراتنا. أمّا الوجودية فهي مدرسة فكرية تأسّست على عمل سورين كيركغور، تركّز على محتوى التجارب وكيفية تعامل العقل معها.

العقل في الفلسفة الإسلامية

كان موضوع العقل محطّ نقاش ودراسات وآراء في الفكر والفلسفة الإسلامية. تأثّر الفلاسفة المسلمون بآراء

تمثال لابن رشد في قرطبة
تمثال لابن رشد في قرطبة

الفلاسفة الإغريق مثل أرسطو الذي قسّم العقل إلى أربعة أصناف وهي (أ) العقل الهيولاني، أو العقل بالقوة (ب) العقل بالفعل أو العقل بالمَلَكة؛ أي النفس الناطقة (ج) العقل الفعَّال (د) العقل المستفاد أو العقل المطلق.

تبنّى هذا الرأي الفلاسفة المسلمون أمثال ابن سينا والكندي والفارابي والغزالي وابن ماجه حيث أبرزوا تدرّج هذه العقول وارتبط ذلك بمفهوم النفس (أو الروح) وفق المنظور الديني.

أمّا ابن رشد فقسّم العقول إلى ثلاثة أنواع:

  • العقول البرهانية
  • العقول المنطقية
  • العقول التي تستجيب للوعظ والأدلة الخطابية.

إلّا أن بعض علماء المسملين مثل أبو بكر بن العربي أنكروا هذه التقسيمات، ورأوا أنّ العقل هو العلم، وهو صفة يتأتَّى بها إدراك العلوم، وهذا التعريف للعقل هو إحدى مقولات ابن تيمية في تعريف العقل.
ممّا أدّى في النهاية إلى وجود مفهومين غير متطابقين للعقل في الفلسفة الإسلامية وهما العقل الفلسفي والعقل القرآني (أو العقل الديني)؛ فالأوّل يصل إلى النتائج بتسطير المقدّمات والاستدلال بها؛ لهذا، يبدو لنا أنّه من غير الممكّن الادّعاء بأنّ الدين كالفلسفة، يريد الدفاع عن قضاياه دفاعاً عقلياً فلسفياً؛ لأنّ الدفاع العقلاني الفلسفي ينظر إلى العالم بوصفه مجموعةً واحدة في بادئ الأمر، ثم يقوم بنظرةٍ فلسفية للدفاع عن تعاليمه، أمّا العقل القرآني فينظر لظواهر العالم بصورةٍ جزئية، ويعتبرها آيات.

- إعلان -

مصدر موسوعة أرابيكا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.