جابر بن حيان

عالم مسلم عربي، اختُلِفَ من أي بُطُونِ الأزد يُنسَب. برع في علوم الكيمياء والفلك والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والطب والصيدلة، ويعد جابر بن حيان أول من استخدم الكيمياء عمليًا في التاريخ.

جابر بن حيان
159

جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي عالم مسلم عربي، اختُلِفَ من أي بُطُونِ الأزد يُنسَب. برع في علوم الكيمياء والفلك والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والطب والصيدلة، ويعد جابر بن حيان أول من استخدم الكيمياء عمليًا في التاريخ.

ولد على أشهر الروايات في سنة 101 هـ/721 م وقيل أيضاً 117 هـ / 737 م عالم عربي وقد اختلفت الروايات على تحديد مكان مولده فمن المؤرخين من يقول بأنه من مواليد الجزيرة على الفرات شرق بلاد الشام، ومنهم من يقول أن أصله من مدينة حران في بلاد ما بين النهرين.

ولعل هذا الانتساب ناتج عن تشابه في الأسماء فجابر المنسوب إلى الأندلس هو العالم الفلكي العربي جابر بن أفلح الذي ولد في إشبيلية وعاش في القرن الثاني عشر الميلادي. ويذهب البعض إلى أنه ولد في مدينة طوس من أعمال خراسان ، ويرى زكي نجيب محمود أنه ولادة الكوفة وهو ما رجحته عدد آخر من الدراسات الآكاديمية.

في بداية القرن العاشر الميلادي، كانت هوية وأعمال جابر بن حيان مثار جدل كبير في الأوساط الإسلامية. وكانت كتبه في القرن الرابع عشر من أهم مصادر الدراسات الكيميائية وأكثرها أثراً في قيادة الفكر العلمي في الشرق والغرب، وقد انتقلت عدة مصطلحات علمية من أبحاث جابر العربية إلى اللغات الأوروبية عن طريق اللغة اللاتينية التي ترجمت أبحاثه إليها وعرف باسم “Geber” أو “Yeber”.

وصفه ابن خلدون في مقدمته وهو بصدد الحديث عن علم الكيمياء فقال: إمام المدونين جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم جابر وله فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالألغاز». قال عنه أبو بكر الرازي في «سر الأسرار» :«إن جابراً من أعلام العرب العباقرة وأول رائد للكيمياء»، وكان يشير إليه باستمرار بقوله الأستاذ جابر بن حيان.

وذكر ابن النديم في الفهرست مؤلفاته ونبذه عنه، وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون: “إن جابر بن حيان هو أول من علّم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء”، وقال عنه العالم الكيميائي الفرنسي مارسيلان بيرتيلو في كتابه (كيمياء القرون الوسطى): “إن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق”.

حياته

ذكرت بعض المصادر، أن جابر هو ابن حيان بن عبد الله الأزدي الذي هاجر من اليمن إلى الكوفة، وعمل في الكوفة صيدلانياً. كان والده من المناصريين للعباسيين في ثورتهم ضد الأمويين، الذين أرسله إلى خراسان ليدعوا الناس لتأييدهم، حيث قُبض عليه وقتله الأمويون، فهربت أسرته إلى اليمن، حيث نشأ جابر ودرس القرآن والعلوم الأخرى ومارس مهنة والده. ثم عادت أسرته إلى الكوفة، بعد أن أزاح العباسيون الأمويين، لذا ينسب أحيانًا بالأزدي أو الكوفي أو الطوسي أو الصوفي.

اختلفت بعض المصادر حول كونه عربيّ أزديّ أم فارسي. في حين يعتقد هنري كوربين أن جابر بن حيان لم يكن عربيًا وإنما كان من موالي قبيلة الأزد ومن المعاصرين زكي نجيب محمود الذي قرر أصله الازدي العربي الصميم . وهناك انضم إلى حلقة جعفر الصادق، فتلقى علومه الشرعية واللغوية والكيميائية على يديه، كما درس أيضًا على يد الحميري، رغم تشكك البعض في تتلمذ جابر على يد جعفر الصادق، ويرى بعض الباحثين ان جعفر الصادق نفسه ألتقى بخالد بن يزيد بن معاوية وأخذ عنه الكيمياء وقد تمت التعمية على هذه المعلومة من قبل بعض المؤرخين لاسباب سياسية وعقدية. ثم مارس جابر الطب في بداية حياته تحت رعاية الوزير جعفر البرمكي وبتوجيه من الخليفة العباسي هارون الرشيد.

وصفه أنور الرفاعي في كتابه تاريخ العلوم في الإسلام: بأنه كان طويل القامة، كثيف اللحية. اشتهر بإيمانه وورعه، وكذلك بتصوفه.. كان يعيش جابر بن حيان في مدينة دمشق القديمة، حيث كان يقضي معظم يوم في غرفة منعزلة يعكف على دراسة الكيمياء.

في عام 987، ترجم ابن النديم لابن حيان في الفهرست بأنه كان من أصحاب جعفر الصادق، كما أشار إلى أن جماعة الفلاسفة إدعت أن جابر من أعضائها. كما قال عنه ابن وحشية أن “جابر بن حيان صوفي … وأن كتابه عن السموم عمل عظيم..”. في حين شكك آخرون في نسبة كتابته إليه.

وتوفي جابر وقد جاوز التسعين من عمره في الكوفة بعدما فر إليها من العباسيين بعد نكبة البرامكة، سجن في الكوفة وظل في السجن حتى وفاته سنة 197هـ (813 م) وقيل أيضا 195 هـ/810 م.

أطلقت عليه العديد من الألقاب، منها “الأستاذ الكبير” و”شيخ الكيميائيين المسلمين” و”أبو الكيمياء” و”القديس السامي التصوف” و”ملك الهند”. وكذلك لُقِّب علم الكيمياء نسبة إليه صنعة جابر.

إسهاماته

ينسب له اختراعه لعدد من الحوامض وتحضيرها ومنها حمض الكبريتيك وسماه زيت الزاج، ولقد بلغ مجموع ما نسب إلى ابن حيان من مساهمات إلى ما يقرب من 3,000 مخطوطة، إلا أن المستعرب اليهودي بول كراوس رأى أن عدة مئات من تلك الأعمال ترجع إلى عدة أشخاص، وأن معظمها تعود إلى أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر، ويعتقد بعض العلماء أن العديد من تلك الأعمال ما هي إلا تعليقات وإضافات من تلاميذه.. لكن رفض هذه الفكرة علماء آخرون وعلى رأسهم العالم والمؤرخ الأمريكي سيد نعمان الحق، الذي رأى أن بول كراوس قد أساء التقدير والاستنتاج في مراجعة أعمال جابر بن حيان، وذكر ثلاثة أخطاء في منهجية كراوس أدت به لهذا الخطأ. ”

ولقد ضمت تلك المساهمات مؤلفات في علم الكونيات والموسيقى والطب والسحر والأحياء والتقنيات الكيميائية والهندسة والنحو وما وراء الطبيعة والمنطق والفلك. وقد ترجمت بعض أعماله في الكيمياء إلى اللغة اللاتينية في العصور الوسطى، وانتشرت على نطاق واسع بين الكيميائيين الأوروبيين في العصور الوسطى.

وتأثر جابر بن حيان بكتابات الكيميائيين المصريون القدماء والإغريق أمثال زوزيموس الأخميمي وديموقريطس وهرمس الهرامسة وأغاثوديمون، بل وكتابات أفلاطون وأرسطو وجالينوس وفيثاغورث وسقراط وتعليقات ألكسندر من أفروديسياس وسمبليسوس وفرفريوس وغيرهم.

- إعلان -

كما كانت هناك مجموعة ضخمة من الكتابات شبه الأدبية في الكيمياء مكتوبة باللغة العربية، بأسماء كتّاب من الفرس أمثال جاماسب وأوستانس وماني، الذين ذكروا فيها تجاربهم على المعادن والمواد الأخرى. ويتضح ذلك أيضًا من العدد الكبير للكلمات ذات الجذور الفارسية كالزئبق والنشادر، والتي توضح اعتماد العرب على الخيمياء الفارسية. كما نقل ابن النديم حوار دار بين أرسطو والخيميائي أوستانس الفارسي، الذي أورده جابر بن حيان في كتابه “مصححات أرسطية”. كما يعتقد المستشرق يوليوس روسكا أن المدارس الطبية الساسانية، لعبت دورًا هامًا في انتشار الاهتمام بالخيمياء.

ومن أهم الإسهامات العلمية لجابر في الكيمياء، إدخال المنهج التجريبي إلى الكيمياء، وهو مخترع القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة باسمها العربي (Alkali)، وماء الفضة، وهو كذلك صاحب الفضل فيما عرفه الأوربيون عن ملح النشادر وماء الذهب والبوتاس، ومن أهم إسهاماته العلمية كذلك، أنه أدخل عنصرَيْ التجربة والمعمل في الكيمياء وأوصى بدقة البحث والاعتماد على التجربة والصبر على القيام بها. فجابر يُعَدُّ من رواد العلوم التطبيقية. وتتجلى إسهاماته في هذا الميدان في تكرير المعادن وتحضير الفولاذ وصبغ الأقمشة ودبغ الجلود وطلاء القماش المانع لتسرب الماء، واستعمال ثاني أكسيد المنغنيز في صنع الزجاج.

ولقد عرَف ابن حيان الكيمياء في كتابه العلم الإلهي بأنه «الكيمياء هو الفرع من العلوم الطبيعية الذي يبحث في خواص المعادن والمواد النباتية والحيوانية وطُرق تولدها وكيفية اكتسابها خواص جديدة».

وقد وضع جابر نظرية رائدة للاتحاد الكيميائي في كتابه “المعرفة بالصفة الإلهية والحكمة الفلسفية”، حيث قال: «يظن بعض الناس خطأً أنه عندما يتحد الزئبق والكبريت تتكون مادة جديدة في كُلِّيتها. والحقيقة أن هاتين المادتين لم تفقدا ماهيتهما، وكل ما حدث لهما أنهما تجزَّأتا إلى دقائق صغيرة، وامتزجت هذه الدقائق بعضها ببعض، فأصبحت العين المجردة عاجزة عن التمييز بينهما. وظهرت المادة الناتجة من الاتحاد متجانسة التركيب، ولو كان في مقدرتنا الحصول على وسيلة نفرق بين دقائق النوعين، لأدركنا أن كلاً منهما محتفظ بهيئته الطبيعية الدائمة، ولم تتأثر مطلقًا». ويمكن تشبيه هذه النظرية بالنظرية الذرية التي وضعها العالم الإنكليزي جون دالتون.

وقد قسم جابر المواد حسب خصائصها إلى ثلاثة أنواع مختلفة، وهي:

  • الأغوال، أي تلك المواد التي تتبخر عند تسخينها مثل الكافور، وكلوريد الألمنيوم.
  • المعادن مثل الذهب والفضة والرصاص والحديد.
  • المركبات، وهي التي يمكن تحويلها إلى مساحيق. وخلاصة القول، حسب “سارتون”، إنه لا يمكن معرفة القيمة الحقيقية لما قام به جابر إلا إذا تم تحقيق وتحرير جميع مؤلفاته ونشرها.
  • الميزان: كان جابر ابن حيان من أول من استعملوا الميزان في قياس مقادير المحاليل المستعملة بتجاربه الكيميائية، حيث كانت عنده وحدات قياس خاصة به، وكان أصغرها هو الحبة التي تبلغ قيمتها نحو 0.05 من الغرام (جزء من 6840 من الرطل).
  • الاحتراق: توصَّل جابر بتجاربه إلى حقيقة أن المواد القابلة للاحتراق عندما تشتعل بالنيران تطلق إلى الجوّ الكبريت وتخلِّف وراءها الكلس).
  • الحبر والورق والطلاء: تمكَّن جابر من اختراع نوع مضيء من الحبر، ليساعد على قراءة المخطوطات والرسائل في الظلام. كما اخترع بطلبٍ من الإمام جعفر الصادق نوعاً مضاداً للاحتراق من الورق، حيث كتب بهذا الورق كتاب جعفر الذي وضع في مكتبة دار الحكمة. كذلك اكتشف نوعاً من الطلاء إذا دهن به الحديد يصبح مضاداً للصدأ، وإذا دهنت به الملابس تصبح مضادَّة للبلل بالماء. كما وقد اكتشف طرقاً لتحضير مركَّبات عديدة، مثل الفولاذ وكربونات الرصاص وكبريتيد الزئبق وحمض الأزوتيك.

الكيمياء في عصره

بدأت الكيمياء خرافية تستند على الأساطير البالية، حيث سيطرت فكرة تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة وذلك لأن العلماء في الحضارات ما قبل الحضارة الإسلامية كانوا يعتقدون المعادن المنطرقة مثل الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير من نوع واحد، وأن تباينها نابع من الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة الكامنة فيها وهي أعراض متغيرة (نسبة إلى نظرية العناصر الأربعة، النار والهواء والماء والتراب)، لذا يمكن تحويل هذه المعادن من بعضها البعض بواسطة مادة ثالثة وهي الإكسير. ومن هذا المنطلق تخيل بعض علماء الحضارات السابقة للحضارة الإسلامية أنه بالإمكان ابتكار إكسير الحياة أو حجر الحكمة الذي يزيل علل الحياة ويطيل العمر.

قد تأثر بعض العلماء العرب والمسلمين الأوائل كجابر بن حيان وأبو بكر الرازي بنظرية العناصر الأربعة التي ورثها علماء العرب والمسلمين من اليونان. لكنهما قاما بدراسة علمية دقيقة لها؛ أدت هذه الدراسة إلى وضع وتطبيق المنهج العلمي التجريبي في حقل العلوم التجريبية.
فمحاولة معرفة مدى صحة نظرية العناصر الأربعة ساعدت علماء العرب والمسلمين في الوقوف على عدد كبير جداً من المواد الكيماوية، وكذلك معرفة بعض التفاعلات الكيماوية، لذا إلى علماء المسلمين يرجع الفضل في تطوير اكتشاف بعض العمليات الكيميائية البسيطة مثل: التقطير والتسامي والترشيح والتبلور والملغمة والتكسيد. وبهذه العمليات البسيطة استطاع جهابذة العلم في مجال علم الكيمياء اختراع آلات متنوعة للتجارب العلمية التي قادت علماء العصر الحديث إلى غزو الفضاء.

بعض انجازات ابن حيان

هذه قائمة بسيطة وموجزة حول بعض منجزات جابر بن حيان في علوم الكيمياء:

  • اكتشف “الصودا الكاوية” أو القطرون (NaOH).
  • أول من استحضر ماء الذهب.
  • أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلّ بواسطة الأحماض. وهي الطريقة السائدة إلى يومنا هذا.
  • أول من اكتشف حمض النتريك.
  • أول من اكتشف حمض الهيدروكلوريك.
  • اعتقد بالتولد الذاتي.
  • أضاف جوهرين إلى عناصر اليونان الأربعة وهما (الكبريت والزئبق) وأضاف العرب جوهرا ثالثا وهو (الملح).
  • أول من اكتشف حمض الكبريتيك وقام بتسميته بزيت الزاج.
  • أدخل تحسينات على طرق التبخير والتصفية والانصهار والتبلور والتقطير.
  • استطاع إعداد الكثير من المواد الكيميائية كسلفيد الزئبق وأكسيد الارسين (arsenious oxide).
  • نجح في وضع أول طريقة للتقطير في العالم.فقد اخترع جهاز تقطير ويستخدم فيه جهاز زجاجي له قمع طويل لا يزال يعرف حتى اليوم في الغرب باسم “Alembic” من “الإنبيق” باللغة العربية. وقد تمكن جابر بن حيان من تحسين نوعية زجاج هذه الأداة بمزجه بثاني أكسيد المنجنيز.
  • صنع ورق غير قابل للأحتراق.
  • شرح بالتفصيل كيفية تحضير الزرنيخ والانتيمون.

تصوفه

يتحدث جمال الدين فالح الكيلاني عن تصوف جابر بن حيان ويعده من رجال التصوف المبكر، رغم غموض المعلومات الواردة عنه والتي تتناسب مع شخصية جابر، وكان لقبه الصوفي ملازما لأسمه في تراثه العلمي، ويقدم بعض الأدلة على تصوفه منها : ذكر ابن النديم في فهرسته نقلا عن جابر بن حيان نفسه أنه قال:(ألفت كتبا في الزهد والمواعظ).
وكذلك ما نقله هو نفسه عن (أخبار الحكماء) أن (جابر بن حيان كان مشرفا على كثير من علوم الفلسفة ومتقلدا للعلم المعروف بعلم الباطن، وهو مذهب المتصوفين من أهل الإسلام، مثل الحارث المحاسبي، وسهل بن عبد الله التستري ونظرائهم).

وكذلك ما نقله فيليب حتي حيث قال: (أنه ادعى مذهبا خاصا في الزهد) ، فهذا هو أول الثلاثة الذين لقبوا بالصوفية، وذكره نيكلسون بقوله: (جابر بن حيان الكيميائي المعروف كان يدعي جابر الصوفي، وأنه تقلد كما تقلد ذو النون المصري علم الباطن الذي يطلق عليه القفطي مذهب المتصوفين من أهل الإسلام).

ويذكره ماسينيون بقوله: (وورد لفظ الصوفي لقبا مفردا لأول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي إذ نعت به جابر بن حيان وهو صاحب كيمياء من أهل الكوفة، صوفي له في الزهد مذهب خاص).

- إعلان -

مصدر موسوعة أرابيكا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.