الافتراس

هو تفاعل بيولوجي بين كائنين، حيث يقوم أحدهما وهو المفترس بالاقتيات على كائن أو عدد من الكائنات الحية الأخرى التي تُعرف باسم الفريسة

الافتراس
359

الافتراس هو – وفقًا لتعريف علماء البيئة – تفاعل بيولوجي بين كائنين، حيث يقوم أحدهما وهو المفترس (الضاري أو الكاسر أو الجارح أو الكائن الذي يصطاد) بالاقتيات على كائن أو عدد من الكائنات الحية الأخرى التي تُعرف باسم الفريسة (الطريدة أو الكائن الذي يُصاد). قد يقوم المفترس أو لا يقوم بقتل فريسته قبل الاقتيات عليها، إلا أن فعل الافتراس يسبب – من وجهة نظر العلماء السابق ذكرهم – موت الطريدة دومًا.

يُسمّى أسلوب التغذية الآخر عند الحيوانات بـ “الاحتتات”، حيث يقوم كائن حي بالاقتيات على المواد العضويّة الميتة (الحُتات)، وقد يصعب في بعض الأحيان التفرقة أو الفصل بين هذين السلوكين. مثال ذلك، عندما يقوم نوع طفيليّ بافتراس مضيفه، ومن ثم يضع عليه بيضه كي تقتات صغاره على جيفته المتحللة، عندما تفقس كما تفعل بعض أنواع الزنابير. إن أبرز الخصائص التي يمكن بواسطتها التمييز بين السلوكين هي أنه في الافتراس يكون للمفترس تأثير مباشر على جمهرة الفريسة (تخفيض أعدادها أو التحكم بأعدادها)، أما الاحتتات فتقتات على ما هو متوفّر من الغذاء ولا يكون لها أي تأثير يُذكر على جمهرة الكائن المضيف.

تطور الافتراس

يظهر بأن الافتراس أصبح إحدى أساليب الاقتيات منذ ما يقارب 550 مليون سنة – أي بعد نهاية العصر الكامبري بفترة قصيرة – حيث تظهر الدلائل تطوّرًا متزامنًا فوريًا تقريبًا للتكلّس في الحيوانات والطحالب، ولسلوك حفر الجحور تفاديًا للافتراس. إلا أنه يظهر بأن المفترسات كانت ترعى على الكائنات الدقيقة منذ حوالي 1,000 مليون سنة على الأقل.

تصنيف المفترسات

القاسم المشترك الرئيسي في التصنيفات المختلفة لجميع المفترسات، هو أن الأخيرة دائمًا ما تخفض كفاءة طريدتها البيولوجية، أي بتعبير آخر تخفّض من فرص بقاء أو نسبة تكاثر الفريسة، أو كلاهما معًا. إن الأسلوب المتبع في تصنيف الضواري بالأسفل يَشمل رتبتها الغذائية أو حميتها، ونسبة اختصاصها وطبيعة تفاعلها مع الفريسة أو علاقتها بها.

التصنيف الوظيفي

يُعد تصنيف المفترسات وفقًا لدرجة اقتياتهم وتفاعلهم مع طرائدهم، إحدى الطرق التي يُفضل علماء البيئة اللجوء إليها لتجميع وتصنيف أنواع الافتراس المختلفة. فعوضًا عن التركيز على ما تأكله تلك الحيوانات، يقوم هذا النظام بتجميع الضواري وفقًا للأسلوب الذي يقتاتون فيه على الفريسة، والطبيعة العامّة لعلاقة أنواع الطرائد المتنوعة بالأنواع المفترسة وتفاعلها مع بعضها البعض. يُأخذ بعين الاعتبار عنصران أساسيان في هذا المجال: مدى قرب المفترس والفريسة جسديًا من بعضهما (في الحالتين الأخيرتين تُستبدل كلمة “طريدة” أو “فريسة” بكلمة “مضيف”)، وبالإضافة لذلك ما إذا كانت الطريدة تُقتل على الفور من قبل الضاري (في الحالتين الأولى والأخيرة يكون موت الفريسة مؤكدًا).

الافتراس الحقيقي

المفترس الحقيقي هو الكائن الذي يقتل ويقتات على كائن حي آخر، ويُلاحظ أنه بينما تسبب الأنواع الأخرى من الافتراس أذىً للطريدة بشكل أو بأخر، فإن هذا النوع يؤدي إلى الموت الفوري. قد تسعى المفترسات الحقيقية إلى طريدتها، أو تقبع في مكانها وتنتظر إلى أن تصبح تلك الأخيرة على مسافة تسمح لها بالانقضاض عليها، كما تفعل مفترسات الكمائن. يَقتل البعض من الضواري طرائدًا كبيرة، ويقوم بفصل بعض أوصالها أو يمضغها قبل أن يأكلها، كما يفعل اليغور مثلاً.

أما المفترسات الأخرى، فقد تلتهم طريدتها كاملة (والتي تكون أصغر حجما منها بأشواط عادة)، كما يفعل الدلفين قنيني الخطم مثلاً، وجميع أنواع الأفاعي والبط واللقلق، عند ابتلاعها للضفادع. وفي بعض الحالات لا تموت الفريسة إلا في الجهاز الهضمي أو في فم المفترس، كما في حالة الحيتان البالينية التي تأكل الملايين من العوالق الحيوانية الميكروسكوبية دفعة واحدة، حيث تتحلل الطريدة وتتقسّم بعد أن تدخل فم الحوت.

- إعلان -

يُعد افتراس البذور أيضا أحد أشكال الافتراس الحقيقي، إذ أن البذرة تمثل كائنًا حيًا محتملاً أو مستقبليًا. لا تحتاج المفترسات المنتمية لهذا التصنيف إلى أن تلتهم فريستها كاملة، حتى تعد منتمية له، فالبعض منها لا يستطيع هضم العظام. بينما البعض الآخر قادر على ذلك، حتى أن البعض منها قد يقتات على جزء من الكائن الحي كما تفعل الحيوانات الراعية. إلا أن هذا يبقى سببًا للموت الفوري، وبالتالي تبقى تلك الحيوانات ضمن هذا التصنيف.

الرعي

قد تقوم الكائنات الراعية بقتل فرائسها أيضًا، إلا أن هذا يبقى من الأمور النادرة الحصول. فالبعض منها – مثل العوالق الحيوانية – تعيش على العوالق النباتية أحادية الخليّة، ولا يكون لديها خيار سوى قتل طريدتها هذه.
بينما لا تأكل كثير من الكائنات الباقية سوى جزءً صغيرًا من النبتة. تقتلع المواشي بعض العشب من جذوره أحيانًا، إلا أنها في أغلب الأحيان لا ترعى سوى أطرافه مما يتيح له النمو من جديد، وهذا الأمر يسري أيضًا على العشب البحري الذي ترعاه بعض أنواع الكائنات البحرية، لكنه يَعود ويَنمو من قاعدة النصل مجددًا، تأقلمًا مع الضغط المائي المتغيّر.
فضلاً عن أن الحيوانات قد “يُرعى” عليها أيضًا؛ فأنثى البعوض تحط على مضيفها لفترة وجيزة كي تحصل على البروتينات اللازمة لبقاء صغارها، ويُعد نجم البحر من تلك الحيوانات، حيث يكون قادرًا على إعادة إنماء أذرعه المفقودة التي اقتات عليها كائن آخر.

التطفل

يَصعب التمييز أحيانًا بين الطفيليّات والكائنات الراعية، حيث أن سلوكهما الغذائي متشابه في عدة أوجه، إلا أن الأولى تتميّز عن الأخيرة بعلاقتها الوثيقة بالنوع المضيف لها. فالكائن الراعي – كالفيل مثلاً – يَتنقل لمسافات شاسعة في النهار الواحد حيث يَرعى على عدد من النباتات، أما الكائن الطفيليّ فيَعيش على مضيف واحد أو بضع مضيفين فقط في أقصى الحالات طوال حياته. يمكن وصف سلوك العيش هذا باسم “المعايشة” أو العيش سويًا بتعبير آخر.

إلا أنه على العكس من التنافع، فإن هذا النوع من الارتباط يُنقص من الكفاءة البيولوجية للكائن المضيف. تشمل الكائنات الطفيليّة أنواعًا كثيرة من شاكلة نبتة السديميّة أو الدارواش، والطفيليّات الداخليّة الجهرية مثل الهيضة. إن البعض من الأنواع الداخلة في هذا التصنيف تميل إلى أن تمتلك علاقة أقل تواثقًا بمضيفيها، فاليرقات قشريات الجناح (الفراش والعث)، قد تقتات على نبتة واحدة أو ترعى عدد من تلك القريبة منها، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسيّة التي تجعل من الأنسب النظر إلى التصنيف الوظيفي على أنه يحوي هذه التقسيمات الأربعة المتكاملة، عوضًا عن اعتبارها تصنيفات مستقلة بذاتها.

الأدواء الطفيلية

الداء الطفيليّ هو عبارة عن كائنات حيّة تعيش بداخل أو على مضيفها، حيث تقتات بشكل مباشر عليه، وتتسبب بموته في النهاية. تتشابه هذه الطائفة والطفيليّات من حيث معايشتها للكائن أو الكائنات المضيفة، وهي كمفترسات التصنيفين السابقين لا تقتل فريستها فورًا، إلا أنها تختلف عن الطفليّات من ناحية أنها كالمفترسات الحقيقية، تتسبب بموت طريدتها دومًا.

من أبرز الأمثلة على الأدواء الطفيليّة، زنبور النمس، وهو صنف من الحشرات الانفرادية التي تعيش معظم حياتها البالغة دون أن تختلط بأفراد من نوعها، وقبل أن تموت تضع بيضها على أو بداخل أنواع أخرى مثل اليساريع. تقتات يرقات هذه الحشرة على مضيفها أثناء مراحل نموه، وتتسبب له بضرر بسيط في بادئ الأمر، إلا أنها سرعان ما تأكل جميع أعضائه الحيويّة حتى تدمّر جهازه العصبي مما يؤدي إلى موته. وبحلول هذه الفترة تكون الزنابير الصغيرة قد تطوّرت بما فيه الكفاية حتى تنتقل للمرحلة الثانية في دورة حياتها. على الرغم من أن الأدواء الطفيلية محصورة إجمالا في الحشرات التابعة لرتبة غشائيات الأجنحة، إلا أنها تشكل قرابة 10% من جميع أنواع الحشرات.

درجة التخصص

تُعد نسبة التخصص بين المفترسات مرتفعة نسبيًا، فالكثير منها يختص بصيد نوع واحد فقط من الفرائس. أما البعض الآخر فأكثر انتهازًا للفرص، حيث يقتل ويتغذى على أي كائن حي تقريبًا (مثل الإنسان والنمر والكلبيات). تكون الضواري المختصّة متأقلمة بشكل جيّد كي تتمكن من الأمساك بطريدتها المفضلة، وبالمقابل فإن الأخيرة تكون متأقلمة بالقدر ذاته كي تتمكن من الهرب.
يدعو العلماء هذه الظاهرة باسم “سباق التسلح التطوري”، التي تبقي جمهرة كل من المفترسات والفرائس على قدر من التوازن. يتخصص بعض الضواري بصيد رتب معينة من الطرائد وليس أنواع محددة بذاتها، إلا أن جميع المفترسات ستقتات أو تحاول صيد أنواع أخرى من الفرائس (بنسب نجاح متفاوتة) بحال كان هدفها المفضل نادرًا، أو ستتحول إلى تقميم الجيف أو أكل النبات حتى.

- إعلان -

مصدر موسوعة أرابيكا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.